أحمد زكي صفوت
79
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
71 - مقام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدى دخل صالح بن عبد الجليل على المهدى ، فسأله أن يأذن له في الكلام ، فقال : تكلم فقال : « إنه لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك ، قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهى ، عند انقطاع عذر الكتمان ، ولا سيّما حين اتّسمت بميسم التواضع ، ووعدت اللّه وحملة كتابه إيثار الحق على ما سواه ، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ، ليتمّ مؤدّينا على موعود الأداء عنهم ، وقابلنا على موعود القبول ، أو يزيدنا تمحيص اللّه إيانا في اختلاف السر والعلانية ، ويحلّينا حلية الكذابين ، فقد كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقولون : « من حجب اللّه عنه العلم ، عذّبه على الجهل ، وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم وأدبر عنه ، ومن أهدى اللّه إليه علما فلم يعمل به ، فقد رغب عن هديّة اللّه وقصّر بها » ، فاقبل ما أهدى اللّه إليك من ألسنتنا ، قبول تحقيق وعمل لا قبول سمعة ورياء ، فإنه لا يعدمك منا إعلام لما تجهل ، أو مواطأة على ما تعلم ، أو تذكير لك من غفلة ، فقد وطّن اللّه عزّ وجلّ نبيه عليه الصلاة والسلام على نزولها ، تعزية عما فات ، وتحصينا من التمادي ، ودلالة على المخرج ، فقال : « وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » فأطلع اللّه على قلبك ، بما ينوّر اللّه به القلوب ، من إيثار الحق ، ومنابذة الأهواء فإنك إن لم تفعل ذلك ير أثرك وأثر اللّه عليك فيه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه » . ( العقد الفريد 1 : 303 ، وعيون الأخبار م 2 : ص 333 ، والبيان والتبيين 2 : 181